آيات إبطال السحر والحسد والعين: آيات قرآنية للرقية الشرعية والتحصين
للقرآن الكريم مكانة عظيمة في حياة المسلم، فهو كلام ربه، وفيه الهداية والنور، وفيه الشفاء والرحمة للمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82]. وآيات إبطال السحر والحسد التي نعرضها في هذا المقال هي آيات يستعين بها المسلم في رقيته وتحصينه، لاجئًا إلى الله وحده، موقنًا أن النفع والضر بيده سبحانه.
ونؤكد منذ البداية أمرين: الأول أن الرقية الشرعية سبب مشروع وليست صيغة مضمونة النتيجة، فالشفاء والحفظ بيد الله. والثاني أنه لا ينبغي نسبة كل ضيق أو مرض أو تعثر إلى السحر أو الحسد، فكثير مما يمر بالإنسان أسبابه طبية أو نفسية تحتاج إلى مختص، ولا تعارض بين العلاج والرقية.
آيات إبطال السحر كاملة
أبرز ما ورد في القرآن عن إبطال السحر قصة موسى عليه السلام مع سحرة فرعون، وفيها بيان أن السحر مهما بلغ لا يغلب الحق إذا أراد الله. وهي آيات عظيمة المعنى، يُقرأ فيها ويُتدبّر.
من سورة الأعراف
﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ﴾ [الأعراف: 117-119].
المعنى العام: أمر الله موسى أن يلقي عصاه، فابتلعت ما صنعه السحرة من الإفك والتخييل، فظهر الحق وبطل باطلهم، وانقلبوا مغلوبين أذلاء.
من سورة يونس
﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 81-82].
المعنى العام: أخبر موسى عليه السلام أن ما جاء به السحرة سحر سيبطله الله، وأن الله لا يُصلح عمل المفسدين، وأنه يُظهر الحق ويثبته بكلماته مهما كره المجرمون.
من سورة طه
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 69].
المعنى العام: كيد الساحر لا يفلح حيث كان، وفي الآية طمأنينة أن الباطل مهما تزيّن فهو إلى زوال بأمر الله.
كيف يستفيد المسلم من هذه الآيات؟ يقرؤها بتدبر، ويتذكر أن الله هو الغالب، ثم يضم إليها الدعاء والذكر وأخذ الأسباب. وليس لها عدد ولا وقت ولا هيئة خاصة ثابتة، فلا يُعتقد أن قراءتها بكيفية بعينها تضمن نتيجة محددة.
آيات إبطال السحر مكتوبة
هذه الآيات والسور التي اعتاد المسلمون الاستعانة بها في الرقية والتحصين، مكتوبة مع بيان مواضعها.
سورة الفاتحة
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 1-7].
وقد ثبت في الصحيحين أن بعض الصحابة رقوا بالفاتحة لديغًا فبرئ بإذن الله، وأقرّهم النبي ﷺ.
آية الكرسي
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255].
ثبت في البخاري أن من قرأها إذا أوى إلى فراشه لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح.
خواتيم سورة البقرة
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 285-286].
قال النبي ﷺ: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (رواه البخاري ومسلم).
سورة الإخلاص
﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].
سورة الفلق
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِن شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق: 1-5].
سورة الناس
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَٰهِ النَّاسِ مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: 1-6].
وقد قال النبي ﷺ عن المعوذتين: «ما تعوّذ المتعوذون بمثلهما» (رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني).
آيات إبطال السحر والعين والحسد والمس مكتوبة
العين والحسد والسحر مذكورة في القرآن والسنة. فقد قال تعالى في سورة الفلق: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾، وقال النبي ﷺ: «العين حق» (رواه البخاري ومسلم). وحين نتحدث عن علاج ذلك أو الوقاية منه، فالمرجع هو القرآن والأذكار الثابتة والتوكل على الله.
ما يُقرأ في الرقية الشرعية
- الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات كما مرّ، فهي من أصح ما يُرقى به.
- رقية جبريل للنبي ﷺ: «بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، بسم الله أرقيك» (رواه مسلم).
- الدعاء الثابت للمريض: «اللهم ربَّ الناس، أذهبِ البأس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقمًا» (متفق عليه).
- وضع اليد على موضع الألم وقول «بسم الله» ثلاثًا، ثم «أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» سبع مرات (رواه مسلم).
- قول «ما شاء الله لا قوة إلا بالله» عند رؤية ما يعجب، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [الكهف: 39].
كلمة عن المس
ورد ذكر الشيطان ووسوسته في القرآن، والاستعاذة منه مشروعة بنص القرآن: ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: 97-98]. لكننا لا نجزم بتفسير أعراض بعينها على أنها مس، ولا ننسب كل حالة نفسية أو جسدية إلى الجن أو السحر. فالقلق والاكتئاب والصرع وغيرها حالات طبية معروفة تحتاج إلى تشخيص وعلاج مختص، ولا يمنع ذلك من الدعاء والرقية.
حذار من سوء الظن
لا يجوز اتهام الناس بالحسد أو السحر دون بينة، فهذا يزرع العداوة ويهدم الثقة. والأولى أن يشتغل المسلم بإصلاح نفسه والتوكل على ربه.
ثلاث آيات لإبطال السحر
يسأل كثيرون عن «ثلاث آيات» لإبطال السحر. والصحيح أنه لا يوجد في الكتاب والسنة تحديد ثلاث آيات بعينها يُقال إنها تبطل كل سحر. لكن من أنسب الآيات لمعنى إبطال السحر ثلاث مجموعات مرّت في قصة موسى عليه السلام، نذكرها مع سبب اختيارها:
1. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 118]. لأنها تقرر أن الحق إذا وقع بطل الباطل.
2. ﴿مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: 81]. لأنها تنص صراحة على أن الله هو الذي يبطل السحر.
3. ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ﴾ [طه: 69]. لأنها تقرر أن كيد الساحر لا يفلح.
وهذا اجتهاد في الاستشهاد بالمعنى وليس تحديدًا شرعيًا، فلا يُقال إن قراءة هذه الثلاث تكفي حتمًا، ولا يُحدد لها عدد ولا طريقة.
كيفية الرقية الشرعية الصحيحة
- الإخلاص لله والتوكل عليه: فالشفاء بيده سبحانه، والرقية سبب مشروع.
- القراءة بالفاتحة وآية الكرسي والمعوذات وما تيسر من القرآن، بتدبر وحضور قلب.
- الدعاء بالأدعية الصحيحة الثابتة في السنة، كما سبق.
- جواز الرقية الذاتية: يرقي المسلم نفسه، فقد كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه وقرأ المعوذات ثم مسح بهما جسده (رواه البخاري). فلا يلزم الذهاب إلى شخص بعينه.
- تجنب الطلاسم والتمائم والسحرة والمشعوذين: قال النبي ﷺ: «من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة» (رواه مسلم). وقال: «من علّق تميمة فقد أشرك» (رواه أحمد، وصححه بعض أهل العلم).
- عدم الاعتقاد بأن شخصًا يملك الشفاء أو الإبطال بنفسه: فالقارئ سبب، والله هو الشافي.
- الجمع بين الرقية والعلاج: فقد قال النبي ﷺ: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له دواء» (رواه أبو داود والترمذي).
أدعية صحيحة مرتبطة بالرقية والتحصين
(مأثور) «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (رواه مسلم).
(مأثور) «بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم» (رواه أبو داود والترمذي).
(مأثور) «أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامّة، ومن كل عين لامّة» (رواه البخاري).
أدعية عامة من صياغتنا (ليست نصوصًا نبوية):
- اللهم احفظني بحفظك، وأعذني من كل شر، واجعلني في كنفك.
- اللهم اشفِ كل مريض، وارزقنا الطمأنينة والرضا والتوكل عليك.
- اللهم ثبّت قلبي على الإيمان، وأبعد عني الوساوس والخوف.
ضوابط مهمة
- الشفاء بيد الله وحده: والرقية سبب مشروع لا يضمن نتيجة بذاتها.
- لا لتحديد أعداد وأوقات خاصة دون دليل شرعي.
- لا للتشخيص بالسحر والحسد: من عانى أعراضًا صحية أو نفسية فليراجع طبيبًا مختصًا، مع الاستمرار في الذكر والدعاء.
- الابتعاد عن الخرافات والمبالغات والقصص غير الموثقة.
الأسئلة الشائعة
ما أقوى آيات إبطال السحر من القرآن الكريم؟
الآيات الواردة في قصة موسى مع السحرة في الأعراف ويونس وطه، إلى جانب الفاتحة وآية الكرسي والمعوذات، مع التنبيه إلى أن الأمر لا يقوم على «قوة» ألفاظ بذاتها بل على التوكل على الله.
ما السور التي تُقرأ في الرقية الشرعية؟
الفاتحة، والبقرة (وخاصة آية الكرسي وخواتيمها)، والإخلاص، والفلق، والناس، وما تيسر من القرآن.
هل يمكن قراءة آيات إبطال السحر على النفس؟
نعم، يجوز للمسلم أن يرقي نفسه، وقد ثبت ذلك عن النبي ﷺ.
ما الفرق بين الرقية الشرعية والشعوذة؟
الرقية الشرعية بالقرآن والأدعية الثابتة مع الاعتقاد أن الشفاء بيد الله، أما الشعوذة فتعتمد على الطلاسم والأسماء المجهولة والاستعانة بالجن، وهي محرمة.
هل توجد ثلاث آيات محددة لإبطال السحر؟
لا يوجد تحديد شرعي لثلاث آيات بعينها، والمشروع الجمع بين تلاوة القرآن والدعاء والأخذ بالأسباب.
خاتمة
تبقى آيات إبطال السحر والحسد وسائر آيات القرآن حصنًا للمسلم حين يقرؤها بتدبر ويقين وتوكل. فاجعل لنفسك وردًا يوميًا من القرآن والأذكار، وابتعد عن الوساوس والخرافات، وخذ بأسباب العلاج الطبي إن احتجت، ثم سلّم أمرك لله، فهو الشافي الحافظ. اللهم احفظنا بحفظك، واشفِ مرضانا، وأنزل علينا السكينة، واجعل القرآن ربيع قلوبنا. آمين.










