قصص واقعية

قصة المتنبي مع سيف الدولة الحمداني

قصة المتنبي مع سيف الدولة الحمداني

إن الشاعر المتنبي هو أحمد بن الحسين بن عبد الصمد الجعفي أبو الطيب، ولد في الكوفة بقبيلة كندة، لذا لقب بالكندي، نشأ المتنبي خلال حكم الدولة العباسية، وكان من أفضل الشعراء وأكثرهم مهارة في استخدام اللغة العربية، كان يمتلك مفاتح اللغة ولديه من البلاغة والفصاحة ما جعلته من المقربين في مجلس الخليفة سيف الدولة الحمداني.

قصة المتنبي مع سيف الدولة الحمداني
قصة المتنبي مع سيف الدولة الحمداني

منزلته لدي سيف الدولة الحمداني:

كان الخليفة يجزل عليه من العطايا ما يساوي ثلاثة الأف من الدنانير كل عام وكان المتنبي يكتب ثلاثة قصائد فقط خلال هذا العام، وهذا أصاب باقي الشعراء بالغيرة ودفعهم  ذلك لافتعال المشاكل بين الخليفة سيف الدولة وبين المتنبي، وأشهر هذه المشاكل التي وقع فيها المتنبي ما حدث من الشاعر أبو فراس الحمداني وهو ابن عم سيف الدولة الحمداني وكان قائد حربي أيضًا أشترك مع سيف الدولة في حروب كثيرة.

الوقيعة بين المتنبي و سيف الدولة الحمداني

كان أبو فراس الحمداني في إحدى المرات التي يجلس فيها مع سيف الدولة، حدثه بأمر المتنبي وأنه يبالغ في عطاياه له فكيف لسيف الدولة أن يعطي للمتنبي ثلاثة ألاف من الدنانير ويكتب المتنبي ثلاثة قصائد فقط، وأشار أبو فراس الحمداني علي ابن عمه سيف الدولة الحمداني ان يوقف عطاياه عن المتنبي ويحضر غيره عشرين من الشعراء ولن يكلفه الأمر أكثر من مائتين دينار، أعجب سيف الدولة باقتراح بن عمه وعمد إلى تنفيذه، علم بهذه القصة المتنبي فجاء إلى سيف الدولة الحمداني في حضرة ابن عمه أبو فراس الحمداني ممسكاً ورقة بيده وبدء ينشد أشهر قصائده “واحر قلباه”، وكانت أبياتها كالتالي:-

قصة المتنبي مع سيف الدولة الحمداني
قصة المتنبي مع سيف الدولة الحمداني

وَاحَرّ قَلْباهُ ممّنْ قَلْبُهُ شَبِمُ          وَمَنْ بجِسْمي وَحالي عِندَهُ سَقَمُ

ما لي أُكَتِّمُ حُبّاً قَدْ بَرَى جَسَدي      وَتَدّعي حُبّ سَيفِ الدّوْلةِ الأُمَمُ

إنْ كَانَ يَجْمَعُنَا حُبٌّ لِغُرّتِهِ                    فَلَيْتَ أنّا بِقَدْرِ الحُبّ نَقْتَسِمُ

قد زُرْتُهُ وَسُيُوفُ الهِنْدِ مُغْمَدَةٌ                وَقد نَظَرْتُ إلَيْهِ وَالسّيُوفُ دَمُ

فكانَ أحْسَنَ خَلقِ الله كُلّهِمِ       وَكانَ أحسنَ ما في الأحسَنِ الشّيَمُ

فَوْتُ العَدُوّ الذي يَمّمْتَهُ ظَفَرٌ                 في طَيّهِ أسَفٌ في طَيّهِ نِعَمُ

وبهذه الأبيات بدء المتنبي بالتحسر على حاله، فهو يحب وهائم في سيف الدولة ولكن قلب سيف الدولة لا يحن عليه، فهو قد ضعف وأصابته العلل بسبب حبه الصادق، وسيف الدولة لا يبالي سوى بمن حوله من مدعين الحب الزائف، ويقول إن كان هناك غيري يحبون سيف الدولة فهيا نتقاسم  ما يجذله علي محبيه حتى أكون أكثر من يجزل عليه من العطايا لشدة حبي،  ثم بدء في مدح الخليفة سيف الدولة الحمداني وذكر صفاته الطيبة وشجاعته في الحروب وذل الأعداء، وتكلم عن حبه له وعن أولئك الذين يريدون الوقيعة بينهم، وفي هذه الأثناء كان أبو فراس الحمداني يعلق على كل بيت يلقيه المتنبي بأنه قديم، ولا جديد فيه وظل هذا الحال إلي أن ضاق صدر المتنبي ورمي الورقة التي ينشد منها أبياته، وبدء في ارتجال أبيات أخرى ولكن هذه الأبيات لم يكن بها مدح لسيف الدولة كما اعتاد منه، لكنها كانت مدح من المتنبي لنفسه وصفاته وكانت الأبيات هي:-

قصة المتنبي مع سيف الدولة الحمداني
قصة المتنبي مع سيف الدولة الحمداني

سَيعْلَمُ الجَمعُ ممّنْ ضَمّ مَجلِسُنا     بأنّني خَيرُ مَنْ تَسْعَى بهِ قَدَمُ

أنَا الذي نَظَرَ الأعْمَى إلى أدَبي       وَأسْمَعَتْ كَلِماتي مَنْ بهِ صَمَمُ

أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا           وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ

وتعجب أبو فراس الحمداني من الذهن الحاضر للمتنبي ولم يعل بشيء بعدها، ولكن سيف الدولة أنتابه الغضب لأن المتنبي توقف عن مدحه وظل يمجد في نفسه، فقام سيف الدولة بإلقاء المتنبي بمحبرته الخاصة  فسال الدم علي جبين المتنبي، وأكمل قائلاً:

يَا مَنْ يَعِزّ عَلَيْنَا أنْ نُفَارِقَهُمْ                وِجدانُنا كُلَّ شيءٍ بَعدَكمْ عَدَمُ

ويقصد بها طبعاً أن عشرته مع الخليفة سيف الدولة عزيزة عليه وأن لا يوجد شيء  مهم في الحياة بالنسبة للمتنبي غير قربه من سيف الدولة الحمداني، واستمر المتنبي هكذا ينشد قصيدته دون توقف، مما أصاب جميع من في المجلس بالذهول من المتنبي وتصمميه علي إكمال قصيدته حتى بعد ما فعله به سيف الدولة الحمداني، واستمر الحال هكذا إلى أن أنهي المتنبي قصيدته، وكان سيف الدولة قد شعر ببعض الندم عما فعله مع المتنبي، وقام وقبل رأس المتنبي وقربه من مجلسه مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق