انقلابات حضارية: 5 محطات في تاريخ الانقلابات العسكرية غيرت موازين السلطة
كثيرا ما يتغير مصير بلد كامل في ساعات قليلة. تتحرك وحدة عسكرية، أو يحاصر قصر، أو يذاع بيان من الإذاعة، فيصبح الصباح مختلفا عن الليلة السابقة. هذه اللحظات هي ما نقصده في هذا المقال بـانقلابات حضارية، وهو وصف نستخدمه هنا للانقلابات التي تجاوز أثرها تغيير الأشخاص في الحكم، فأعادت رسم شكل الدولة وعلاقتها بالجيش والمجتمع. وتنبغي الإشارة إلى أن هذا المصطلح ليس تعريفا أكاديميا شائعا في علم التاريخ أو العلوم السياسية، بل عنوان جامع نختاره لتوضيح هذا النوع من التحولات.
سنقف عند خمس محطات: أول انقلاب عسكري في التاريخ، وأقوى الانقلابات أثرا في العالم، وتجربة تركيا مع الانقلابات، وانقلاب الصخيرات في المغرب، وانقلاب قطر. وسنركز على الأسباب والنتائج لا على سرد الوقائع فقط، مع التنبيه حيث تختلف الروايات أو التعريفات.
ما الفرق بين الانقلاب والثورة؟
قبل الدخول في الأحداث، من المفيد ضبط المصطلحات، لأن الخلط بينها يربك القارئ.
- الانقلاب هو الاستيلاء على السلطة بصورة مفاجئة من داخل مؤسسات الدولة، غالبا بيد الجيش أو جزء منه أو دائرة ضيقة من الحكم، ودون حراك شعبي واسع بالضرورة.
- الثورة حراك شعبي واسع يسعى إلى تغيير النظام السياسي أو الاجتماعي، وقد يتدخل الجيش فيها أو لا يتدخل.
- الانتفاضة موجة احتجاج قد لا تصل إلى إسقاط النظام.
- الانقلاب القصري تغيير للحاكم داخل الأسرة الحاكمة أو الدائرة المحيطة به، وغالبا بلا قتال واسع.
والحدود بين هذه الأنواع ليست صارمة دائما، فبعض الأحداث تبدأ بانقلاب ثم تتحول إلى مشروع ثوري، كما سنرى.
أول انقلاب عسكري في التاريخ
السؤال عن أول انقلاب عسكري لا جواب واحدا له، لأن الإجابة تتوقف على ما نعده انقلابا. فإذا قصدنا أي استيلاء على الحكم بقوة السلاح من داخل النخبة الحاكمة، فتاريخ البشرية قديم في ذلك، وتحفل به الإمبراطوريات القديمة. من أشهر أمثلة العصور القديمة اغتيال الإمبراطور الروماني كاليجولا عام 41 ميلادية على يد ضباط من الحرس البريتوري، ثم تنصيب كلوديوس بعده، فكانت تلك من أوضح اللحظات التي ظهر فيها دور القوة العسكرية في تعيين الحاكم. وقبل ذلك زحف القائد الروماني سولا على روما بجيشه عام 88 قبل الميلاد، وكان أول قائد يفعل ذلك بحسب الروايات التاريخية الشائعة.
أما إذا قصدنا الانقلاب بمفهومه الحديث، أي سيطرة عسكرية على سلطة قائمة مع الحفاظ على واجهة قانونية، فأكثر الأمثلة اعتمادا هو انقلاب 18 برومير في فرنسا، الموافق 9 نوفمبر 1799. وكانت فرنسا حينها في ظل حكومة الإدارة، وهي سلطة ضعيفة أنهكتها الأزمات المالية والصراعات السياسية بعد سنوات الثورة الفرنسية. تحالف نابليون بونابرت القائد العسكري الشهير مع السياسي إيمانويل سييس وآخرين، وحلوا المجالس التشريعية في اليوم التالي بمساعدة الجنود، ثم أقاموا نظام القنصلية الذي صار فيه بونابرت القنصل الأول. وفي عام 1804 أعلن نفسه إمبراطورا.
كانت نتيجة هذا الحدث أن انتهت مرحلة الثورة الفرنسية فعليا، وحل محلها حكم مركزي قوي بقيادة عسكرية. ولهذا يعد هذا الانقلاب في نظر كثير من المؤرخين نموذجا للانقلاب الحديث: ظرف سياسي مضطرب، وجيش يتمتع بشعبية، ونخبة مدنية ترى في القوة حلا. ويبقى اختيار “الأول” مسألة تعريف، والأدق أن نقول إن هذا أبرز نموذج مبكر للانقلاب بصورته المعاصرة، لا أول انقلاب في التاريخ بإطلاق.
أقوى انقلاب عسكري في العالم
وصف “الأقوى” لا يصح بلا معيار، ويمكن أن يقصد به عدة أشياء: عمق الأثر السياسي، أو عدد الضحايا، أو طول مدة تداعياته، أو امتداد تأثيره خارج حدود البلد. وبحسب المعيار تتغير الأمثلة. نعرض ثلاثة نماذج واضحة الأثر.
انقلاب تشيلي عام 1973
في 11 سبتمبر 1973 قاد الجنرال أوغستو بينوشيه انقلابا على الرئيس المنتخب سلفادور أليندي. قصفت القوات المسلحة قصر لا مونيدا الرئاسي في العاصمة سانتياغو، وتوفي أليندي في القصر في ذلك اليوم، وخلصت التحقيقات اللاحقة إلى أنه انتحر. حكم بينوشيه البلاد حتى عام 1990، وشهدت تلك الفترة انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان، من اعتقالات وتعذيب واختفاء قسري، كما شهدت تحولا اقتصاديا نحو اقتصاد السوق. ويرى كثيرون هذا الانقلاب مثالا على قدرة الانقلاب على إعادة تشكيل اقتصاد بلد ومجتمعه لعقود، كما أنه ظل موضوع جدل حول دور القوى الخارجية فيه.
انقلاب إيران عام 1953
أطاح هذا الانقلاب برئيس الوزراء محمد مصدق في أغسطس 1953، بعد أن أمم صناعة النفط الإيرانية. وتشير الوثائق التي كشف عنها لاحقا إلى أن الاستخبارات الأمريكية والبريطانية دعمتا العملية، وعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى سلطته المطلقة. وتأثير هذا الحدث تجاوز زمنه، فما زال يذكر في السياسة الإيرانية وفي علاقات إيران بالغرب حتى اليوم.
حركة الضباط الأحرار في مصر عام 1952
بدأت في 23 يوليو 1952 على يد مجموعة من الضباط، أبرزهم محمد نجيب وجمال عبد الناصر، وأطاحت بالملك فاروق وأنهت الحكم الملكي. وهنا تظهر صعوبة التصنيف، فقد بدأت كحركة عسكرية، لكنها أسست لنظام جمهوري وإصلاحات اجتماعية واسعة، وصارت تسمى في الخطاب الرسمي والشعبي ثورة. ولهذا يرى بعض الباحثين أنها نموذج لانقلاب تحول إلى مشروع سياسي أوسع.
وإذا أردنا إجابة صريحة، فلا يوجد انقلاب واحد “أقوى” باتفاق الجميع. لكن حين ننظر إلى حجم التحول وطول الأثر معا، فإن تشيلي 1973 وإيران 1953 ومصر 1952 من أكثر الأمثلة التي يستشهد بها الباحثون.
انقلاب تركيا
تركيا من أكثر الدول التي تناولتها الدراسات حين تتحدث عن علاقة الجيش بالسياسة، والمقصود بعبارة “انقلاب تركيا” يختلف بحسب الحدث، لذلك نفرق بين الأحداث المختلفة:
- انقلاب 27 مايو 1960: أطاح بحكومة عدنان مندريس بقيادة مجموعة من الضباط برئاسة الجنرال جمال غورسيل. وأعدم مندريس في سبتمبر 1961 بعد محاكمة. وكان هذا أول انقلاب عسكري ناجح في تاريخ الجمهورية التركية.
- مذكرة 12 مارس 1971: أرغم فيها الجيش حكومة سليمان ديميريل على الاستقالة بمذكرة، دون الاستيلاء المباشر على السلطة، ولذلك يسمى انقلاب المذكرة.
- انقلاب 12 سبتمبر 1980: قاده رئيس الأركان كنعان إيفرين في ظل عنف سياسي واسع واضطراب اقتصادي. حل البرلمان وحظرت الأحزاب، واعتقل عشرات الآلاف، وصدر دستور جديد عام 1982 ما زال أثره حاضرا في النقاش السياسي التركي.
- أحداث 28 فبراير 1997: ضغط عسكري على حكومة نجم الدين أربكان أدى إلى استقالتها دون استخدام للقوة المباشرة، ويسمى أحيانا الانقلاب ما بعد الحداثي.
- محاولة 15 يوليو 2016: حاولت مجموعة من العسكريين الاستيلاء على السلطة، وقصفت مواقع حكومية، وسقط أكثر من 250 قتيلا. فشلت المحاولة بعد خروج مدنيين إلى الشوارع وتصدي قوات موالية للحكومة. اتهمت الحكومة التركية حركة الخدمة التابعة لفتح الله غولن، وتنفي الحركة ذلك. وأعقبت المحاولة حالة طوارئ وحملات فصل واعتقال واسعة.
الخلاصة أن علاقة الجيش بالسياسة في تركيا مرت بمراحل: من تدخلات مباشرة في ستينيات القرن العشرين وثمانينياته، إلى ضغوط غير مباشرة في التسعينيات، ثم إلى محاولة فاشلة في 2016 غيرت مسار السياسة الداخلية بصورة كبيرة. ويتفق كثير من المحللين على أن فشل المحاولة الأخيرة وضع حدا لدور الجيش التقليدي في السياسة التركية، وإن اختلفوا في تقييم ما تلاها من إجراءات.
انقلاب الصخيرات
وقع انقلاب الصخيرات في المغرب يوم 10 يوليو 1971، وسمي باسم مدينة الصخيرات الساحلية قرب الرباط، حيث كان الملك الحسن الثاني يحتفل بعيد ميلاده الثاني والأربعين في قصره الصيفي، بحضور مئات المدعوين من وزراء ودبلوماسيين وشخصيات.
كانت خلفية الحدث تتعلق بتوتر داخلي، فقد ساد استياء داخل أجزاء من الجيش والمجتمع من الفساد وسوء الإدارة، ومن القبضة الأمنية في سنوات ما بعد الاستقلال. وقاد العملية ضباط كبار، من أبرزهم الكولونيل محمد المدبوه والكولونيل محمد عبابو، واستخدموا نحو ألف من طلبة مدرسة تدريب الضباط في أهرمومو الذين نقلوا إلى المكان تحت ذريعة مناورات عسكرية، فوجدوا أنفسهم يطلقون النار على الحاضرين.
سقط عدد كبير من القتلى والجرحى، ويتراوح عدد القتلى في الروايات بين نحو تسعين ومئة، ومن بينهم السفير البلجيكي. واحتجز الملك داخل القصر لساعات، لكن الانقلاب لم يحكم السيطرة على بقية أنحاء البلاد، وتمكنت قوات موالية من استعادة الوضع. وقتل المدبوه خلال الأحداث، وأعدم عدد من كبار الضباط المشاركين بعد محاكمات سريعة.
وكانت نتيجة فشل هذا الانقلاب أن اشتدت قبضة النظام الأمنية، وتتابعت بعده أحداث أخرى، منها محاولة أغسطس 1972 باستهداف طائرة الملك، وارتبط بها اسم الجنرال محمد أوفقير الذي توفي بعدها. وتغيرت بنية المؤسسة العسكرية والأمنية المغربية، وصار الملك أكثر إمساكا بخيوطها، وتعد هذه المرحلة جزءا مما يعرف في المغرب بسنوات الرصاص.
انقلاب قطر
عند الحديث عن انقلاب قطر يتبادر إلى الذهن أكثر الأحداث ارتباطا بالاسم، وهو تغيير الحكم عام 1995، لكن من الأدق أن نفرق بين عدة أحداث في تاريخ الإمارة:
- عام 1972: أطاح الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، وكان رئيسا للوزراء وولي العهد، بابن عمه الشيخ أحمد بن علي آل ثاني، وتولى الحكم. كان ذلك انتقالا للسلطة داخل الأسرة الحاكمة.
- 27 يونيو 1995: أطاح الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ولي العهد ووزير الدفاع، بوالده الشيخ خليفة وهو في رحلة خارج البلاد، في سويسرا بحسب المصادر المتداولة. وجرى التحول دون قتال يذكر، ولذلك يوصف بأنه انقلاب قصري هادئ. وحظي بقبول داخل الأسرة الحاكمة، وصار الشيخ حمد أميرا.
- فبراير 1996: جرت محاولة مضادة لإعادة الأمير السابق إلى الحكم، فشلت واعتقل عدد من المشاركين.
- عام 2013: تنازل الشيخ حمد عن الحكم طواعية لابنه الشيخ تميم، وهذا انتقال سلمي للسلطة لا يعد انقلابا.
وفي سنوات ما بعد 1995 شهدت قطر تحولات لافتة، منها إطلاق قناة الجزيرة عام 1996، وتوسع الاستثمار في الغاز الطبيعي المسال، وتعزيز حضورها الدبلوماسي والإعلامي. وتختلف التقييمات حول حجم ما يعود إلى القيادة الجديدة وما يعود إلى ظروف المنطقة والثروة الغازية، وما يمكن قوله بدقة أن التحول الداخلي في الحكم ترافق مع تغير واضح في دور البلد خارجيا.
ما الذي تكشفه هذه الانقلابات؟
حين نضع المحطات الخمس جنبا إلى جنب، تظهر أنماط متكررة، وإن اختلفت السياقات:
- ضعف الشرعية أو اضطراب الأوضاع: كثيرا ما يسبق الانقلاب أزمة اقتصادية أو سياسية تجعل جزءا من النخبة أو الشارع يتقبل التغيير بالقوة.
- دور الجيش بوصفه صاحب القوة المنظمة: حيث تضعف المؤسسات المدنية، يصبح الجيش قادرا على الحسم.
- الدعم الخارجي أحيانا: كما في إيران 1953، وتختلف الروايات حول حجمه في حالات أخرى.
- تفاوت النتائج: بعض الانقلابات أنتجت حكما عسكريا طويلا، وبعضها فشل فأدى إلى تشدد أمني، وبعضها كان تغييرا داخليا هادئا.
- ثمن الاستقرار القسري: ما يتحقق بالقوة يظل هشا ما لم تتبعه شرعية سياسية، وتبقى ذاكرة الانقلاب جزءا من الحياة العامة لعقود.
أسئلة شائعة حول الانقلابات العسكرية
ما الفرق بين الانقلاب العسكري والثورة؟
الانقلاب يتم غالبا من داخل مؤسسات الدولة بقيادة الجيش أو جزء منه، بينما تقوم الثورة على حراك شعبي واسع. وقد يتداخل الأمران، كما حدث في مصر عام 1952.
ما أول انقلاب عسكري في التاريخ؟
لا إجابة قاطعة، فهي تعتمد على تعريف الانقلاب. هناك أمثلة قديمة في روما، وأشهر نموذج بمفهومه الحديث هو انقلاب 18 برومير في فرنسا عام 1799.
كم عدد الانقلابات العسكرية في تركيا؟
يعد المؤرخون عادة انقلابات 1960 و1980 انقلابين مباشرين، ويضيفون مذكرة 1971 وأحداث 1997 بوصفهما تدخلين غير مباشرين، أما محاولة 2016 فقد فشلت.
ماذا حدث في انقلاب الصخيرات؟
هاجمت وحدات عسكرية قصر الصخيرات أثناء احتفال بعيد ميلاد الملك الحسن الثاني في 10 يوليو 1971، وسقط عشرات القتلى، لكن الانقلاب فشل واستعاد الملك السيطرة.
متى حدث الانقلاب في قطر؟
أبرز حدث بهذا الوصف وقع في 27 يونيو 1995 حين تولى الشيخ حمد بن خليفة الحكم بدل والده. وكان هناك تغيير مشابه داخل الأسرة عام 1972.
لماذا تتكرر الانقلابات في بعض الدول؟
لأن ضعف المؤسسات المدنية، والأزمات الاقتصادية، وغياب آليات واضحة لتداول السلطة، ودور الجيش القوي، تهيئ بيئة مناسبة لها، وإن اختلفت الأسباب من بلد إلى آخر.
خاتمة
تكشف انقلابات حضارية مثل التي استعرضناها أن السلطة في كثير من الأحيان لا تنتقل بالصناديق ولا بالتوافق، بل قد تنتقل في لحظة مفاجئة تقلب الموازين. ومن انقلاب برومير في فرنسا إلى تشيلي وإيران، ومن تجربة تركيا الطويلة إلى فشل الصخيرات وتحول قطر الهادئ، يتضح أن لكل حدث ظروفه وأسبابه ونتائجه الخاصة.
والدرس الأهم أن فهم تاريخ الانقلابات لا يكون بالحكم على الأحداث بمعزل عن سياقها. فالظرف الداخلي، والتوازن بين الجيش والمؤسسات المدنية، والتدخلات الخارجية، كلها عوامل تفسر لماذا نجح انقلاب وفشل آخر، ولماذا ترك بعضها أثرا يمتد عقودا. وكلما قرأنا هذه الأحداث بحياد ودقة، صرنا أقدر على فهم حاضر الدول التي مرت بها.










